الصالحي الشامي

467

سبل الهدى والرشاد

هذا ما رأيت فيه لائمتنا ، وكل من هذه الوجوه محتمل للفظ على بعد بعضها وتعسف الاخر منها . قال القاضي أبو الفضل رحمه الله : والذي أقول - ويظهر لي أنه أقرب من هذه الوجوه كلها - أن قوله صلى الله عليه وسلم : لم أنس إنكار للفظ الذي نفاه عن نفسه ، وأنكره على غيره بقوله : بئس ما لأحدكم أن يقول : نسيت آية كذا وكذا ، ولكنه نسي . وبقوله في بعض روايات الحديث الاخر : لست أنسى ، ولكن أنسى . فلما قال له السائل : أقصرت الصلاة أم نسيت ؟ أنكر قصرها كما كان ، ونسيانه هو من قبل نفسه ، وإنه إن كان جرى شئ من ذلك فقد نسي حتى سأل غيره ، فتحقق أنه نسي ، وأجري عليه ذلك ليسن ، فقوله على هذا : لم أنس ولم تقصر ، وكل ذلك لم يكن - صدق وحق ، لم تقصر ، ولم ينس حقيقة ، ولكنه نسي . ووجه آخر استثرته من كلام بعض المشايخ ، وذلك أنه قال : إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسهو ولا ينسي ، ولذلك نفى عن نفسه النسيان ، قال : لان النسيان غفلة وآفة ، والسهو إنما هو شغل بال ، قال : فكان النبي صلى الله عليه وسلم يسهو في صلاته ولا يغفل عنها ، وكان يشغله عن حركات الصلاة ما في الصلاة ، شغلا بها لا غفلة عنها . فهذا إن تحقق على هذا المعنى لم يكن في قوله : ما قصرت ولا نسيت خلف في قول . وعندي أن قوله : ما قصرت الصلاة وما نسيت بمعنى الترك الذي هو أحد وجهي النسيان ، أراد - والله أعلم - لم أسلم من ركعتين تاركا لاكمال الصلاة ، ولكني نسيت ، ولم يكن من تلقاء نفسي . والدليل على ذلك قوله في الحديث الصحيح : إني لأنسي أو أنسى لاسن . قال القاضي : وهذه الأحاديث مبنية على السهو في الفعل الذي قررناه ، وحكمة الله فيه ليستن به ، إذ البلاغ بالفعل أجلي منه بالقول ، وأرفع للاحتمال ، وشرطه ألا يقر على السهو ، بل يشعر به ليرتفع الالتباس ، وتظهر فائدة الحكمة فيه كما قدمناه ، فإن النسيان والسهو في الفعل في حقه صلى الله عليه وسلم غير مضاد للمعجزة ، ولا قادح في التصديق ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : " إنما بشر أنسى كما تنسون ، فإذا نسيت فذكروني " . وقال صلى الله عليه وسلم : " رحم الله فلانا ، لقد أذكرني كذا وكذا آية كنت أسقطهن " - ويروي : أنسيتهن . وقال صلى الله عليه وسلم : " إني لانسى ، أو أنسى ، لاسن " .